سيد قطب
2871
في ظلال القرآن
ما اختار . ليحل للناس أزواج أدعيائهم ، إذا ما قضوا منهن وطرا ، وانتهت حاجتهم منهن ، وأطلقوا سراحهن . . قضى اللّه هذا وفق علمه بكل شيء . ومعرفته بالأصلح والأوفق من النظم والشرائع والقوانين ؛ ووفق رحمته وتخيره للمؤمنين . ثم يمضي السياق القرآني في ربط القلوب بهذا المعنى الأخير ، ووصلهم باللّه الذي فرض على رسوله ما فرض ، واختار للأمة المسلمة ما اختار ؛ يريد بها الخير ، والخروج من الظلمات إلى النور : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا . هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ، وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً . تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ . وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً » . . وذكر اللّه اتصال القلب به ، والاشتغال بمراقبته ؛ وليس هو مجرد تحريك اللسان . وإقامة الصلاة ذكر اللّه . بل إنه وردت آثار تكاد تخصص الذكر بالصلاة : روى أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث الأعمش عن الأغر أبي مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال : « إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين ، كانا تلك الليلة من الذاكرين اللّه كثيرا والذاكرات » . . وإن كان ذكر اللّه أشمل من الصلاة . فهو يشمل كل صورة يتذكر فيها العبد ربه ، ويتصل به قلبه . سواء جهر بلسانه بهذا الذكر أم لم يجهر . والمقصود هو الاتصال المحرك الموحي على أية حال . وإن القلب ليظل فارغا أو لاهيا أو حائرا حتى يتصل باللّه ويذكره ويأنس به . فإذا هو مليء جاد ، قار ، يعرف طريقه ، ويعرف منهجه ، ويعرف من أين وإلى أين ينقل خطاه ! ومن هنا يحض القرآن كثيرا ، وتحض السنة كثيرا ، على ذكر اللّه . ويربط القرآن بين هذا الذكر وبين الأوقات والأحوال التي يمر بها الإنسان ، لتكون الأوقات والأحوال مذكرة بذكر اللّه ومنبهة إلى الاتصال به حتى لا يغفل القلب ولا ينسى : « وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا » . . وفي البكرة والأصيل خاصة ما يستجيش القلوب إلى الاتصال باللّه ، مغير الأحوال ، ومبدل الظلال ؛ وهو باق لا يتغير ولا يتبدل ، ولا يحول ولا يزول . وكل شيء سواه يتغير ويتبدل ، ويدركه التحول والزوال وإلى جانب الأمر بذكر اللّه وتسبيحه ، إشعار القلوب برحمة اللّه ورعايته ، وعنايته بأمر الخلق وإرادة الخير لهم ؛ وهو الغني عنهم ، وهم الفقراء المحاويج ، لرعايته وفضله : « هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ ، لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ . وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً » . . وتعالى اللّه ، وجلت نعمته ، وعظم فضله ، وتضاعفت منته ؛ وهو يذكر هؤلاء العباد الضعاف المحاويج الفانين ، الذين لا حول لهم ولا قوة ، ولا بقاء لهم ولا قرار . يذكرهم ، ويعني بهم ، ويصلي عليهم هو وملائكته ، ويذكرهم بالخير في الملأ الأعلى فيتجاوب الوجود كله بذكرهم ، كما قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « يقول اللّه تعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه « 1 » » . .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري .